الشيخ محمد هادي معرفة
59
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
حسنها وقبيحها ، والعبد مكتسب لها » . قال الشهرستاني : « أثبت النجّار للقدرة الحادثة - أي قدرة العبد ، تجاه قدرة اللّه القديمة - تأثيرا . وسمّى ذلك كسبا ، على حسب ما يثبته الأشعري » . « 1 » وهذا هو مذهب الأشعري بالذات ، أثبت للعبد اكتسابا تجاه من أثبت له الاختيار والقدرة المستقلّة . ولم يفصح عن مذهبه هذا ما يكون حدّا فاصلًا بين الجبر والاختيار ، ومن ثمّ حار أتباعه في تفسير « الكسب » بوجه مقنع . وقد وجّه القاضي عبد الجبار سؤاله إلى القائلين بالكسب : « عقّلونا معنى الكسب وخبّرونا عنه . فإن اشتغلوا بالتحديد ، قلنا : الشيء يعقل أوّلًا ثمّ يحد . ثمّ يقال لهم : وما هو الذي حدّدتم به الكسب ؟ فإن قالوا : ما وقع بقدرة محدثة ، قلنا : ما تعنون بقولكم : ما وقع بقدرة محدثة ؟ فإن أردتم به ما حدث ، فهو الذي نقوله ، وإن أردتم به ما وقع كسبا ، فعن الكسب سألناكم ، فكيف تفسّرونه بنفسه ، وهل هذا إلّا إحالة بالمجهول على المجهول ؟ » . « 2 » قال سعدالدين مسعود بنعمر التفتازاني - بصدد توضيح الكسب - : فإن قيل : لا معنى لكون العبد فاعلًا بالاختيار ، إلّا كونه موجدا لأفعاله بالقصد والإرادة ، وقد سبق أنّ اللّه تعالى مستقلّ بخلق الأفعال وإيجادها ، ومعلوم أنّ المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلّتين ، قلنا : لا كلام في قوّة هذا الكلام ومتانته ، إلّا أنّه لمّا ثبت بالبرهان أنّ الخالق هو اللّه تعالى ، وبالضرورة أنّ لقدرة العبد وإرادته مدخلًا في بعض الأفعال كحركة البطش ، دون البعض كحركة الارتعاش ، احتجنا في التفصّي عن هذا المضيق إلى القول بأنّ اللّه خالق ، والعبد كاسب . وتحقيقه : إنّ صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسبٌ ، وإيجاد اللّه تعالى الفعل عقيب ذلك خلقٌ ، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين ، لكن بجهتين مختلفتين ، فالفعل مقدور اللّه تعالى بجهة الإيجاد ، ومقدور العبد بجهة الكسب ، وهذا القدر من المعنى ضروري ، وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن
--> ( 1 ) - الملل والنحل للشهرستاني ، ج 1 ، ص 89 . ( 2 ) - شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ، ص 366 - 367 .